القيم المُعَلَّبةجاهزة .. سريعة .. لذيذة !!

alt text

مقدمات

  • العالم اليوم يجري بسرعة لم يعهدها التاريخ من قبل، وثورة الاتصالات الرقمية “ألغت الحدود الزمنية وصادمت الثقافات ببعضها، وأدخلت الأفراد في دوامة رهيبة من التشتت وفقدان البوصلة“ كما يقول فؤاد الفرحان.

  • كان الفرق سابقا بين الجيل والآخر ثلاثون سنة تقريبا أما في هذا العالم المتسارع فأصبح أقل من عشر سنين، وأصبح كل جيل يرى الجيل الذي سبقه كأنه من التاريخ العتيق ، يقول عبدالوهاب المسيري رحمه الله بعد أن زار الولايات المتحدة الأمريكية في بداية السبعينيات الميلادية “إنني فوجئت حينما شاهدت فيلم (القط فريتز)، أن الفيلم يعالج أواخر الستينات وكأنها جزء من التاريخ السحيق الذي انقطعت وشائجه بالحاضر“، وهذا الأمر واقع علينا كذلك فنحن نقسم الناس ونطلق عليهم أوصافاً بناء على حقبة ميلادهم، أبناء الثمانينات، التسعينات، جيل الآيباد، وكل يرى جيله مختلفا كليا عن الجيل الذي قبله في التنشئة والتعليم والترفيه.

فراغ عاطفي، شعور بالخواء، حساسية زائدة، فقدان القدرة على التحمل، هذه هي بعض السمات التي اشتهر بها التحليل الأكاديمي لجيل زي أو Generation Z، وهو جيل المواليد الواقع منذ 1997م نزولًا إلى الألفينات، اختار المتخصصون إطلاق اسم جيل رقائق الثلج Generation Snowflakes على جيل Z، وقد خصّه المراقبون بذاك الاسم لسببين أساسيين: الأول لأن رقائق الثلج هشة جدًا، وسريعة الانكسار، أما السبب الثاني فهو شعور كل فرد من هذا الجيل بالتفرد.

إسماعيل عرفة - الهشاشة النفسية

  • المحاضن التربوية نتاج عمل الدعاة والمربين وهي بذلك متأثرة بأساليبهم وأفكارهم، والدعاة والمربون أبناء بيئتهم وعالمهم السريع والمشتت وجيلهم الذي يرى أساليبه التي نشأ عليها أساليباً عفى عليها الزمن ولا يتقبلها الجيل الجديد.

    و المحاضن بادئ أمرها كانت تحاكي نموذجا مجربا، كالمدارس أو الكتاتيب أو حلق العلم في المساجد ثم تطورت الوسائل والأساليب مواكبة للواقع وتلبية للاحتياجات من حلقات حفظ القرآن الكريم مرورا بالدروس العلمية إلى جماعات النشاط الطلابي والمكتبات واللقاءات الاجتماعية والطلعات الترفيهية حتى صارت المحاضن بالصورة التي نراها الآن، وبعض هذه  التغيرات مرت بمخاض صعب حتى قُبلت وانتشرت بين المحاضن.

هناك عالم ذهني جديد قيد التشكُّل يتميز بالترقيع والانفتاح على الخارج، ورفض الانغلاق الهُويَّاتي، والتخلِّي عن السرديات الكبرى.

باتريك هايني - إسلام السوق ص54

مصطلحات جديدة

لم تكن التغيرات مقتصرة على الوسائل فقط بل تغيرت الكثير من المفاهيم والرؤى والأهداف خاصة وأن كثيرا من المحاضن لا تملك رؤى وأهدافا واضحة بل أهدافا عامة وضبابية يسهل تمرير الكثير من المفاهيم من خلالها.

أحدث ظهور الجوال وانتشار التلفزيون والانترنت في الثمانينات والتسعينات الميلادية وعودة الدعاة والمتدينين المبتعثين إلى أمريكا وأوروبا انفتاحا على العالم الحديث، وتوسعا في الاطلاع على العلوم الإنسانية والإدارية.

مع هذه التغيرات والتأثر بسوق العمل والمجال التجاري دخلت مصطلحات جديدة على المحاضن تتسم بالعصرية بعد أن كانت لغة المحاضن تزخر بالمصطلحات التراثية ذات البعد الإسلامي،  كالتعلم الذاتي بدل طلب العلم وتطوير الذات بدل تهذيب النفس، ولا شك أن هذا التغير ليس تغيرا في المسمى فقط بل في المضمون والدلالة، فالتعلم الذاتي مصطلح نشأ في الغرب في سعي الشخص اللاهث لتحسين مستواه المعيشي ومساره المهني عبر تطوير مهاراته ورفع مستواه العلمي، والتعلم الذاتي مصطلح مقتصر على التعلم ومرتكز على الذات وغير ملتزم بالأخلاق والعمل، بينما طلب العلم مصطلح شرعي درج عليه السلف ومن خلفهم، ويحمل في طياته معان كالتعبد والتقرب إلى الله والعمل بالعلم والتزام المشايخ ويقترن به مجموعة من الأخلاق متى ما تحققت في الشخص سُمِّي طالب علم، وعلى هذا فقس تطوير الذات وتهذيب النفس.

فالمصطلحات الغربية عملية تهتم بسؤال كيف و كم ، والمصطلحات الشرعية غائية تهتم بالغاية وسؤال لماذا،ولذلك نرى كثرة الوسائل والأساليب والطرق في المصطلحات الغربية بينما نرى الحرص على الغاية والنية في المصطلحات  الشرعية.

وقد كانت المحاضن تستخلص المفاهيم والقيم التي تنشِّئ عليها طلابها من القرآن والسنة وكتب الأوائل خاصة كتب ابن القيم، فنجد مثلا ( الإخلاص، الخشوع، التواضع، التوبة…)، ثم شيئا فشيئا حدث تغير في القيم فأصبحت ( تطوير الذات، الطموح، النجاح، الإنجاز، الإبداع …) قيما أساسية في المحاضن.

قد يفهم من هذا الكلام الحط من قدر التعلم الذاتي أو تطوير الذات غير أن القصد استيعاب أبعاد كل مصطلح قبل استعماله.

العمل التربوي كمنتج تجاري

بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر والهجمات الإرهابية في السعودية، أضحى المجتمع ينظر للمحاضن بشيء من التوجس، والآباء والأمهات يتساءلون عن الأنشطة والبرامج والقيم والمفاهيم والمهارات التي تقدم لأبنائهم، وبسبب كثرة وسائل الترفيه صارت أعداد الطلاب تنحسر شيئا فشيئا، فبدأت المحاضن التربوية تعيد التفكير في طريقة عملها وعرضها لبرامجها، وهذا لم يحدث في ليلة وضحاها بل سنوات من المراجعات والتجارب.

كنت مع صاحبي عند مدخل مسجد فوجدنا إعلانا لدورة رمضانية، فسألته عن رأيه في الإعلان فقال :”إعلان جيد لكنه ما يخليك تلتفت!” أي أن الإعلان لا يلفت الانتباه، خالٍ من الألوان والعبارات البراقة.

تمكين المهارات، اكتشاف القدرات، خصم لتسجيل المجموعات، أول خطوة للتغيير، زيارات ترفيهية…، بهذه الطريقة أصبحت المحاضن تسوق لبرامجها كأنه منتج موجه لمستهلكين، يسيل لعابهم للعبارات البراقة والوعود الجذابة، وبعد البرنامج تُعرض إحصاءات عددية بعدد المستفيدين، ونسبة الإنجاز وعدد الساعات التدريبية والتعليمية، وأصبحت المحاضن تعامل طلابها كأنهم عملاء تتطلب رضاهم ، ورضى العميل يضمن ولاءه ويجذب عملاء آخرين، وهذا أدى بالمحاضن إلى النزول بالتربية الجادة إلى مستويات أدنى يكثر فيها الترفيه على حساب التربية.

يُعاد التفكير في العَرضِ الديني بمفاهيم المُنتَج

باتريك هايني - إسلام السوق ص99

القيم المُعَلَّبة

عصرنا هذا عصر التحكم والخيارات المتنوعة وليس عصر التقبل والمتاح،  عصر التسابق لإرضاء العملاء، كل الألعاب والأفلام والبرامج بين يدي الشاب يختار منها ما يشاء في أي وقت وفي أي مكان، حتى المطاعم قربتها تطبيقات التوصيل ،بينما في السابق من أراد أن يشاهد شيئا فعليه أن يرضى بما يعرضه التلفاز أو ضبط وقته ليتوافق مع وقت عرض ما يريد !، ولعلك تثير استغراب الشباب إن حدثتهم أنه قبل خمس عشرة سنة كانت الأسرة كاملة تتسمر أمام التلفاز في ساعة محددة لمشاهدة برنامج أو مسلسل.

تنوع الخيارات بين يدي الشاب زاد من مزاجيته وملله و أنقص من جديته وصبره، فهو يتنقل من ترفيه إلى آخر ولا يرغم نفسه على شيء بل يغيره متى ما سئم منه.

والشاب في هذه الأيام لا يفهم القضايا والمشاكل المعقدة ، فوالداه ينوبان عنه في كثير من مشاكله، وإن اضطر لمواجهة مشكلة ما يفر إلى الانترنت ويسأله ، فتظهر له مجموعة من الحلول السريعة والبسيطة، كل ما عليه اتباع الخطوات، كيف تكسب صديقا ، كيف تحل مشاكلك ، كيف تنحف ، كيف تتجاوز الاختبارات، حلول جاهزة وسريعة وبسيطة يمكن لأي أحد تطبيقها.

بعد كل ما ذكرناه أضحت المحاضن في وضع لا تحسد عليه، فالتربية الجادة غير جذابة للعملاء (الطلاب) وأحيانا منفرة، والعاملون لا يريدون النزول بالمحضن ليكون فرقة ترفيهية، لذلك عمدوا إلى تقديم قيمٍ تَرُوج بين الناس وتجذب الطلاب وأولياء الأمور كـ(الإبداع، الابتكار، التطوع، تطوير الذات ، التعلم الذاتي) ولا تُقدَّم هذه القيم بدورة تدريبية أو ورشة عمل فهذه وسائل صعبة وتتطلب جهدا وتركيزا وصبرا وهي طرق تقليدية عفى عليها الزمن ، بل تُقدَّم القيم بسيطة وممتعة وتغلف بغلاف جذاب بلعبة أو رحلة أو مسابقة، يقوم فيها الطالب باستهلاك القيم مستمتعا كما يستهلك وجبة البرجر جاهزة وسريعة ولذيذة، بلا جهد ولا مثابرة، وراج بين المربين طرق جديدة للتربية كالتربية بالترفيه والتربية بالمغامرة وهكذا طغى الترفيه على المحاضن التي كانت تربي على الجدية .

وقد أجمع عقلاء كل أمة أن النعيم لا يدرك بالنعيم، وأن من آثر الراحة فاتته الراحة، وأنه بحسب ركوب الأهوال واحتمال المشاق تكون الفرحة واللذة.

ابن القيم -مفتاح دار السعادة

التعليقات

لإضافة تعليق يرجى تسجيل الدخول

لا يوجد تعليقات